ابو القاسم عبد الكريم القشيري

102

لطائف الإشارات

الموعظة للكافة . . ولكنها لا تنجع في أقوام ، وتنفع في آخرين ؛ فمن أصغى إليها بسمع سرّه اتضح نور التحقيق في قلبه ، ومن استمع إليها بنعت غيبته ما اتصف إلا بدوام حجبته . ويقال الموعظة لأرباب الغيبة ليئوبوا ، والشّفاء لأصحاب الحضور ليطيبوا . ويقال « الموعظة » : للعوام ، « والشفاء » : للخواص ، « والهدى » لخاص الخاص ، « والرحمة » لجميعهم ، وبرحمته وصلوا إلى ذلك . ويقال شفاء كلّ أحد على حسب دائه ، فشفاء المذنبين بوجود الرحمة ، وشفاء المطيعين بوجود النعمة « 1 » ، وشفاء العارفين بوجود القربة ، وشفاء الواجدين بشهود الحقيقة . ويقال شفاء العاصين بوجود النجاة ، وشفاء المطيعين بوجود الدرجات ، وشفاء العارفين بالقرب والمناجاة . قوله جل ذكره : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 58 ] قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 ) « الفضل » : الإحسان الذي ليس بواجب على فاعله ، « والرحمة » إرادة النعمة وقيل هي النعمة . والإحسان على أقسام وكذلك النعمة ، ونعم اللّه أكثر من أن تحصى . ويقال الفضل ما أتاح لهم من الخيرات ، والرحمة ما أزاح عنهم من الآفات . ويقال فضل اللّه ما أكرمهم من إجراء الطاعات ، ورحمته ما عصمهم به من ارتكاب الزّلات . ويقال فضل اللّه دوام التوفيق ورحمته تمام التحقيق .

--> ( 1 ) نعلم من مذهب القشيري أن ( الرحمة ) من أوصاف الذات ، و ( النعمة ) من أوصاف الفعل . . فتأمل كيف يرتبط مصير ( المذنبين ) بوصف من أوصاف ذاته ، ولاحظ كيف يفتح الصوفية بذلك أبواب الأمل أمام التائبين .